( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
منذ انطلاق عاصفة الحزم، كان أبناء الجنوب في طليعة المقاتلين، يحملون السلاح دفاعًا عن أرضهم، ثم امتدت تضحياتهم إلى جبهات بعيدة عن حدود الجنوب، إيمانًا منهم بأن هزيمة المشروع الحوثي تمثل ضرورة لحماية أمن المنطقة ومستقبلها. وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، قدم الجنوبيون آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، فيما ظلت أسرهم تتحمل وحدها مرارة الفقد وأوجاع الانتظار.
وخلال تلك السنوات، ظل شعار "الشراكة في التحالف" حاضرًا في الخطاب السياسي، إلا أن الوقائع على الأرض دفعت كثيرًا من الجنوبيين إلى إعادة طرح الأسئلة حول طبيعة هذه الشراكة، وحول ما إذا كانت التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب قد قوبلت بما تستحقه من تقدير واحترام، أم أنها انتهت في كثير من المحطات إلى تفاهمات سياسية أوقفت المعارك وأهدرت ثمار الانتصارات العسكرية.
ولا يختلف اثنان على أن ميليشيات الحوثي تمثل عدوًا للجنوب كما تمثل خطرًا على المنطقة بأسرها، وأن الدفاع عن الجنوب وأرضه وسيادته واجب لا يقبل المساومة. فإذا حاول الحوثي الاعتداء على الجنوب، فإن أبناء الجنوب سيكونون، كما كانوا دائمًا، في مقدمة المدافعين عن أرضهم حتى آخر نفس.
لكن الدفاع عن الجنوب شيء، والزج بأبناء الجنوب في معارك مفتوحة خارج أرضهم دون رؤية سياسية واضحة أو ضمانات بعدم تكرار تجارب الماضي شيء آخر تمامًا.
لقد شهد الجميع كيف وصلت القوات إلى تخوم الحديدة بعد تضحيات جسيمة، قبل أن تتوقف العمليات العسكرية بقرارات سياسية، بينما بقيت دماء الشهداء ودموع أسرهم شاهدة على حجم الثمن الذي دُفع. واليوم، تعود بعض الأصوات لتدعو إلى جولة جديدة من الحرب، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن السنوات الماضية لم تترك دروسًا يجب التوقف أمامها.
ومن حق أبناء الجنوب أن يسألوا: من سيدفع ثمن الحرب القادمة؟ وهل سيكون أبناء المسؤولين ومن يطلقون دعوات التعبئة أول من يتقدم إلى الجبهات؟ أم أن أبناء البسطاء سيظلون وحدهم من يحمل السلاح، بينما يكتفي آخرون بإدارة المعركة من خلف المكاتب أو من خارج الوطن؟
إن القضية الجنوبية ليست ورقة تفاوض، ودماء أبناء الجنوب ليست وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو إعادة إنتاج مشاريع أثبتت السنوات فشلها. فالجنوبيون قدموا التضحيات دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم وحقهم في استعادة دولتهم، ولن يقبلوا أن تتحول تلك التضحيات إلى وقود لمعركة تنتهي مرة أخرى بتفاهمات وصفقات لا تحقق أهدافهم ولا تنصف شهداءهم.
إن الجنوب اليوم بحاجة إلى تعزيز أمنه، وحماية حدوده، وترسيخ مؤسساته، واستكمال مشروعه الوطني، لا إلى استنزاف جديد لدماء شبابه في معارك قد تنتهي كما انتهت سابقاتها.
ومن يدعو إلى الحرب، فليكن أول من يتحمل مسؤوليتها، وليتقدم هو وأبناؤه إلى الصفوف الأولى قبل أن يطالب أبناء الآخرين بتقديم أرواحهم. فالأوطان تُبنى بالعدالة والوضوح، لا بالشعارات، ودماء الشهداء أمانة لا يجوز التفريط بها أو المتاجرة بها تحت أي مبرر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب كان ولا يزال الرقم الأصعب في معادلة الحرب والسلام، وأن تضحيات أبنائه تستحق احترامًا يوازي حجمها، لا أن تُختزل في خطابات حماسية أو حسابات سياسية عابرة.
ولهذا فإن أي موقف جنوبي من أي معركة قادمة يجب أن ينطلق أولًا من مصلحة الجنوب وقضيته الوطنية، ومن حماية الإنسان الجنوبي، لأن الجنوب سيظل الأولوية، وستظل دماء أبنائه أغلى من أن تكون ثمنًا لصفقات لا تخدم مشروعه الوطني.