لم تكن المليونيات الجماهيرية التي خرجت في نيالا والمجلد بولاية غرب كردفان وشرق دارفور والفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور، مجرد مواكب عابرة في المشهد السياسي السوداني، بل حملت دلالات سياسية عميقة بشأن موقع حكومة السلام الانتقالية في وجدان قطاعات من المواطنين بمناطق سيطرتها. فقد جاءت هذه الحشود لتعبّر عن تأييد شعبي لمسار السلام وخيارات الحكومة، ولتؤكد أن الجماهير قادرة على إعلان مواقفها والتعبير عن تطلعاتها في الميادين العامة. إن تعدد المدن التي شهدت هذه المليونيات يمنحها أهمية خاصة، ويجعلها مؤشراً يستحق التوقف عنده في قراءة المشهد السياسي وموازين التأييد الشعبي، بعيداً عن محاولات احتكار الشارع أو الادعاء بتمثيل الإرادة العامة للسودانيين.
وفي المقابل، كشفت المواكب التي خرجت مؤخراً في بورتسودان عن محدودية الرهان الذي تعوّل عليه جماعة الإخوان المسلمين في تقديم تحركاتها الجماهيرية باعتبارها تعبيراً شاملاً عن إرادة الشعب السوداني. فالحشود المحدودة جغرافياً لا يمكن أن تمنح أي تيار سياسي حق الادعاء بامتلاك الشرعية الشعبية على امتداد البلاد، مهما أحاطها من خطاب إعلامي أو محاولات للتضخيم السياسي. وبينما شهدت مناطق متعددة تحت سيطرة حكومة السلام الانتقالية حراكاً جماهيرياً مؤيداً لها، ظلت مواكب بورتسودان محصورة في نطاقها المحلي، وهو ما يضع رهانات الإخوان على استعادة الشارع أمام تساؤلات جدية بشأن قدرتها على تقديم تمثيل شعبي يتجاوز حدود تلك التحركات.
إن خروج الجماهير في نيالا والمجلد وشرق دارفور والفاشر يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الشارع السوداني ليس حكراً على جماعة أو تيار، وأن ادعاء الشرعية لا يكفي لإثباتها ما لم يجد ما يسنده من مواقف شعبية فعلية. ومن هذه الزاوية، تمثل المليونيات المؤيدة لحكومة السلام الانتقالية تحدياً لرهانات الإخوان ومحاولاتهم تقديم مواكب بورتسودان باعتبارها دليلاً على امتلاك التأييد الشعبي. فالمشهد الذي أفرزته هذه الحشود يبرز تعدد الخيارات السياسية لدى المواطنين، ويؤكد أن تقييم المواقف الشعبية ينبغي أن يستند إلى اتساع المشاركة وتعدد مناطقها، لا إلى الشعارات وحدها أو الادعاءات التي تسعى بعض القوى إلى فرضها على النقاش العام. كما أن هذا الحراك يمنح حكومة السلام الانتقالية فرصة لتعزيز حضورها السياسي وتوسيع صلتها بالمجتمعات المحلية.
إن هذه الحشود الجماهيرية تمثل مؤشراً مهماً يمكن التعويل عليه في قياس مستوى التأييد الشعبي لحكومة السلام الانتقالية في مناطق سيطرتها، بالنظر إلى اتساع رقعة المشاركة وتعدد المدن التي شهدت هذه المليونيات. فهي تعكس اتجاهات قطاعات من المواطنين ومواقفهم من الحكومة، في مقابل محدودية مواكب الإخوان التي خرجت مؤخراً في بورتسودان، والتي لا يمكن اتخاذها دليلاً كافياً على امتلاك الشرعية الشعبية أو القدرة على تمثيل الإرادة العامة للسودانيين. وبذلك، فإن هذه المليونيات تظل مؤشراً على حجم التأييد الشعبي لحكومة السلام الانتقالية، واستفتاءً جماهيرياً على حضورها وقبولها في المناطق التي شهدت هذه الحشود.
بقلم: الأستاذ أحمد محمد حامد العبيد