يمتلك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان السلاح والمال لشراء المزيد منه، لكن أزمة الحوثيين تكشف تحدياً مختلفاً: صعوبة العثور على دولة مستعدة لاستخدام القوة مباشرة للدفاع عن السعودية في مواجهة إيران ووكلائها.
فقد طلب بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب شن ضربات على الحوثيين، لكن واشنطن اكتفت بتقديم معلومات استخباراتية ومساعدات لتحديد الأهداف. وفي مرحلة لاحقة، اقتربت الولايات المتحدة من تنفيذ ضربة في اليمن قبل أن يوقفها ترامب في اللحظة الأخيرة.
وعادت السعودية إلى قصف اليمن، لكن ذلك لم يحسم التهديد.
في المقابل، قدمت بريطانيا دعماً محدوداً للعمليات الدفاعية السعودية، بينما أعلنت تركيا وباكستان دعمهما للرياض، وأبدت أنقرة استعدادها لتقديم مساعدات عسكرية وتقنية في إطار اتفاق الدفاع المشترك.
وتكشف الأزمة حدود الاستراتيجية السعودية القائمة على تنويع الشركاء. فبعد المصالحة مع إيران بوساطة صينية، وسعت الرياض علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان، ووقعت اتفاقاً دفاعياً مع أنقرة وإسلام آباد.
لكن الأزمة الحالية تطرح سؤالاً عملياً: ماذا يستطيع هؤلاء الحلفاء تقديمه عندما تبدأ الصواريخ والطائرات المسيّرة بالسقوط؟
ولا تحتاج السعودية بالضرورة إلى قوات أجنبية تقاتل داخل اليمن، بقدر حاجتها إلى الدفاع الجوي، والصواريخ الاعتراضية، والاستخبارات، والإنذار المبكر، وحماية منشآت الطاقة. ومن هنا ستُقاس القيمة العملية لتحالفاتها الجديدة.
الحوثيون يضغطون على أمن السعودية واقتصادها لا يقتصر التهديد الحوثي على الجانب العسكري.
فالهجمات والتهديدات المستمرة للملاحة في البحر الأحمر تضغط على طرق تصدير النفط والتجارة السعودية، وترفع تكاليف التأمين والنقل وتدفع بعض السفن إلى تغيير مساراتها.
وتجد الرياض نفسها أمام مخاطر جغرافية متزامنة: اضطراب محتمل في مضيق هرمز من الشرق، وتعرض بعض البنية التحتية البديلة لخطر الهجمات، وتهديد الحوثيين لطريق البحر الأحمر من الغرب.
ولا ينقص السعودية النفط أو القدرة المالية، لكن التحدي يكمن في ضمان وصول النفط إلى الأسواق بأمان. فالمملكة تستطيع شراء المزيد من الطائرات والصواريخ، لكنها لا تستطيع تغيير موقع مضيق هرمز أو باب المندب.
كما أن استمرار التهديد يضغط على مشروع «رؤية 2030»، الذي يعتمد على جذب الاستثمارات والسياحة وتحويل السعودية إلى مركز اقتصادي مستقر. فالصواريخ فوق الرياض والاضطرابات في البحر الأحمر قد تزيد المخاطر والتكاليف بالنسبة إلى المستثمرين وشركات النقل والتأمين.
إسرائيل تعرض قدراتها
في هذا السياق، ترى إسرائيل أن لديها قدرات يمكن أن تحتاج إليها السعودية، خصوصاً في مجال الاستخبارات المتعلقة بالحوثيين، والإنذار المبكر، والرصد، والدفاع الجوي، وتعقب الأهداف.
وقد يكون التعاون الأمني ممكناً حتى من دون تطبيع سياسي كامل. فالسعودية تستطيع الاستفادة من قدرات إسرائيلية في مواجهة الحوثيين، مع إبقاء علاقتها السياسية بإسرائيل منفصلة عن التعاون الأمني، خصوصاً في ظل موقف الرياض من القضية الفلسطينية وحساباتها الداخلية والإقليمية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، لا يرتبط الاهتمام بالحوثيين بالسعودية وحدها. فقد أثرت هجمات الجماعة على الملاحة في البحر الأحمر وميناء إيلات، وأصبح توسعها على الساحل الغربي اليمني مصدر قلق إسرائيلي يتعلق بأمن الملاحة والتهديدات بعيدة المدى.
خيارات متعددة للسعودية
تحاول الرياض، منذ سنوات، تجنب الاعتماد الكامل على قوة واحدة. فهي تحافظ على تحالفها الأمني مع واشنطن، وتوسع علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان، وتبقي في الوقت نفسه قناة اتصال مع إيران لتقليل احتمالات التصعيد.
لكن أزمة الحوثيين تختبر هذه السياسة عملياً. فوجود شركاء متعددين لا يعني بالضرورة أن جميعهم مستعدون لدخول الحرب أو تحمل تكلفتها.
ولهذا تبحث السعودية حالياً عن مزيج من الدعم: أسلحة ودفاع جوي من الولايات المتحدة، دعم عسكري وتقني من شركاء آخرين، وقنوات دبلوماسية مع إيران، وربما تعاون استخباراتي وأمني مع إسرائيل في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بالنسبة إلى الرياض بعدد الحلفاء، بل بما يستطيع كل حليف فعله عندما تتحول التهديدات إلى هجمات فعلية.
جيروزاليم بوست