كتب: (أبو ناصر) فانون السنيدي
كيف تحولت 4 أكياس قمح إلى قصيدة ومساجلة شعرية في بيت فيصل علوي
حكاية حُمْبّكة: درس في المكر والبراءة من ذاكرة لحج الشعبية
التراث اللحجي يخلد “البر المسروق” في سهرة الحسيني وأبيات الشعر
من أمر صرف المحافظ إلى مثل يتداوله الناس: قصة “حُمْبّكة” في لحج
في لحج الخير دفّاق، لا يذهب البر سدىً ولا تذهب الضحكة بلا أثر. هناك حيث تلتقي الخديعة بالبراءة وتلتقي السهرة بالشعر، وُلدت حكاية «وين البر يا حُمْبّكة» التي صارت مثلاً يُضرب لكل من ظن أنه يملك الدنيا، فإذا بها تُسرق من بين يديه وتتحول إلى مثل وقصة لا تموت.
ففي صباحٍ جميلٍ مشرقٍ، كأن السماء قد تزينت لتشهد لحظة التكريم، استُدعي حُمْبّكة الخبير الزراعي الذي علّم أجيالاً في لحج كيف تثمر الأرض إلى مكتب المحافظ.
وهناك ناوله المحافظ بيده أمراً بصرف أربعة أكياس من البر من مستودع المؤسسة، عرفاناً بجهوده وسنوات عطائه.
خرج حُمْبّكة من المكتب حاملاً أمر الصرف بيده، وكأنه امتلك الدنيا. مشى إلى سوق الحوطة الشعبي وقلبه يغني وعيناه تلمعان فرحاً. هناك وجد فرج الكادح صاحب عربة الحمار، رجلاً ساذجاً طيباً، يعرف طريق سفيان كما يعرف ظلّه.
ألقى عليه الأمر وقال: يا فرج اذهب إلى المستودع قبل الإغلاق واستلم البر وأوصله إلى بيتي في سفيان، وهذه أجرتك.
أسرع فرج إلى المستودع واستلم الأكياس الأربعة ووضعها على ظهر الحمار ومضى في الطريق الترابي نحو سفيان. غير أن أحمد بن عثمان ذلك الثعلب المخادع، كان له في ذلك الطريق موعدٌ محسوب.
أوقف بن عثمان العربة ونظر إلى الأكياس بعينٍ ماكرة وقال بصوتٍ يقطر مكراً: يا فرج، هذا بر؟ من هذا؟
فأجاب فرج الساذج بصدقٍ لا يشوبه شك: هذا بر حُمْبّكة. أمر صرف من المحافظ.
فضحك بن عثمان وكأنه يعرف سراً لا يعرفه أحد وقال: هل تعلم أنا لمن أنتظر؟ أنتظر هذا البر!
فدهش فرج وقال بسذاجة: وأنت لمن منتظر؟
فأجاب بن عثمان بكذبةٍ أتقنها كأنها الحقيقة: كلّمني حُمْبّكة البارحة وقال لي: يا بن عثمان سأستلم برّاً من المحافظ وسأرسله إلى سفيان، وأنت اجلس له في الطريق وشلّ البر وبيعة في السوق، هذا ما وعدني به.
وصدّق فرج الساذج كلام الثعلب المخادع وأدار العربة عائداً إلى الحوطة. هناك باع بن عثمان الأكياس الأربعة وأعطى فرج ديناراً وقال: هذه أجرة عودتك إلى الحوطة. ففرح فرج بالدينار وهو لا يدري أن ثمن الأكياس كان يفوق ذلك بأضعاف.
وأثناء البيع كان الشاعر عبدالله باجهل يراقبهم من بعيد، فرأى بن عثمان يبيع البر ورأى فرجاً يأخذ الدينار ويرحل. سأل في نفسه: هذا البر لمن؟ إيش من رقبة هذه اللي قرحها اليوم أحمد بن عثمان، لكنه كتم السرّ حتى حين.
وفي الطريق بينما كان بن عثمان يتنقل التقى صهره عبيد وأحمد سعيد (حُمْبّكة نفسه). فجاءهم بن عثمان بوجهٍ بشوشٍ وقال: أنتم اليوم معزومين معي على الغداء، وبعد الغداء سآخذكم إلى الحسيني، سنخزن ونسهر. فقبل حُمْبّكة الدعوة واثقاً أن صديقه يكرمه، وهو لا يدري أن الأكياس الأربعة التي سُرقت منه هي التي ستموّل تلك السهرة.
ومساءً كان كازينو الحسيني يفيض بالأنوار. جلس بن عثمان وصهره وفرج وهم يشربون ويرقصون، بينما حُمْبّكة جالس معهم يضحك ويشرب ولا يعلم أن كل شلن ودينار يُنفق هو من ثمن برّه الذي باعوه. وفي الزاوية كان باجهل يبتسم في نفسه ويقول: آح آح يا بن عثمان، أيش من خبقة صلحتها.
وفي الليل عاد حُمْبّكة إلى بيته في سفيان. سأل زوجته: «شي جاب فرج البر؟» فأجابته ببرودٍ: ما حد جاب بر يا رجال ولا حتى حبة!
فصُعق حمبكة وتذكر عزومة بن عثمان له وضحكات السهرة وصرخ: أنا بن سعيد وأبو سعيد لقد خدعوني. وبات ليلته يتقلب على جمر.
في صباح اليوم التالي قصَد حُمْبّكة بيت الفنان الكبير فيصل علوي حيث يجتمع الشعراء والأدباء. دخل وقصّ ما حدث. هنا وقف باجهل وقد انفجر ضاحكاً وقال: وين البر يا حُمْبّكة؟ برك في الحسيني أدركه. كنت هناك ورأيت بن عثمان يبيع برك في السوق ورأيت فرج يأخذ ديناراً!”
فنهض الشاعر مسرور مبروك وبدأت المساجلة:
مسرور مبروك:
وين البُرْ يا حُمْبّكة
بُركْ في الحسيني أدركه
ماشي وقت للمحككة
قوم الليل يا حُمْبّكة
باجهل (مكمّلاً):
هدا بُر فطرة صيام
مفروضة على ذي الأنام
والشُرْبة للي هم صيام
ويش الحل يا حُمْبّكة
مسرور مبروك (يصف بن عثمان):
بن عثمان حمّل وباع
شل صهره معه للدفاع
ما همه الخبر ذي يشاع
متعود على الصعلكة
مسرور مبروك (يصف الحسيني):
في البستان دق الحنش
من حبه سكِرَ وانتعش
بالبيرة ترشرش ورش
وأنفق مال ما يملكه
وهنا وقف حُمْبّكة وردّ بصوت يطلب المدد من أهل سفيان أهل قريته:
حاشاه حلالك ذا يضيع
حاشاه حُمْبّكة ذا يضيع
يا سفيان يا ذا السميع
غارة أدركوا حُمْبّكة
وهكذا في بيت فيصل علوي تحولت الخسارة إلى ضحكة لا تُنسى، وتحولت الأكياس الأربعة إلى قصيدة لا تموت. لم يعد أحد يسأل عن البر، بل صار الجميع يسألون عن حُمْبّكة. وبينما كان الحضور يرددون الأبيات ويصفقون، وقف حُمْبّكة نفسه وقد نسي غضبه ونسي خسارته وبدأ يرقص معهم على إيقاع الكلمات. قال وهو يضحك: يا رجال خسرت البر لكني ربحت الخلود. والله لو عرضوا عليّ أن أعيد الأكياس مقابل أن تمحى هذه القصيدة، لما قبلت. فصاح باجهل ضاحكاً: يا حُمْبّكة أنت الآن أبو المثل، كلما ضاع كيس في لحج سيقولون: وين البر يا حُمْبّكة؟
وقال مسرور مبروك وهو يرفع صوته بالبيت الأخير: يا سفيان يا ذا السميع غارة أدركوا حُمْبّكة. لكن الغارة الآن لم تعد للبر بل للقصيدة. فنهض فيصل علوي وصاح: يا ناس هذا هو التراث، هذه هي لحج. خسارة كيس بر تحولت إلى شعر شعبي، وثلاثة أشخاص خدعوا صديقهم صاروا أبطال حكاية!
وانتهت الجلسة وخرج حُمْبّكة من بيت فيصل علوي مرفوع الرأس وكأنه فاتح الأندلس، وهو يردد: وين البر؟ وين البر؟
رغم خسارته قد أصبح أغنى رجل في لحج لأنه امتلك ما لا يشتريه المال: مثلاً خالداً يردده الأطفال والكبار، وضحكة لا تزول، وشعراً يردد حتى بعد أن يموت الحمار ويموت بن عثمان ويموت البر نفسه!
ومنذ ذلك اليوم صارت “وين البر يا حُمْبّكة” تُقال في كل مجلس وفي كل سوق وفي كل سهرة.
وإذا مرّ حُمْبّكة في السوق، يُناديه الناس: يا حُمْبّكة، وين البر؟ فيجيب وهو يبتسم: البر في الحسيني أدركه.
وفي بيت فيصل علوي حيث الثقافة والفن خُلِدَ تراث ونما أدبٌ.
فتبارك الله في البر الذي يتحول إلى قصيدة، وفي الخسارة التي تتحول إلى تراث، وفي حُمْبّكة الذي خسر أكياسه الأربعة، لكنه كسب شعراً خالداً ومثلاً يتوارثه الأجيال.
*(قصة من التراث اللحجي، نسج الكاتب حوارها مما تداوله من لسان الشارع اللحجي ومن مخيلته