( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
في خضم القضايا التي تمس الشرف والكرامة الإنسانية، يبرز سؤال جوهري: هل يُعقل أن تتحول الضحية إلى هدف للتشهير والتداول، بينما يبقى مسار العدالة بعيدًا عن الأضواء؟
لقد جاء الإسلام بمنهج واضح في حماية الأعراض، فجعل الأصل هو الستر، وشدد في إثبات جرائم الزنا، ووضع شروطًا دقيقة وصعبة، ليس لتعطيل إقامة العدل، وإنما لحماية المجتمع من الخوض في أعراض الناس، ومنع انتشار الإشاعات والاتهامات التي تهدم الأسر وتدمر النفوس.
كما أن الأنظمة والقوانين الحديثة تتفق مع هذا المبدأ، إذ تحظر نشر أسماء الضحايا أو أي معلومات تكشف هوياتهم في القضايا الحساسة، حفاظًا على كرامتهم وحقوقهم، وحتى لا يتحول الضرر إلى عقوبة اجتماعية تستمر سنوات طويلة.
ومن المؤسف أن تتحول بعض المنصات ووسائل التواصل إلى ساحات للتشهير، حيث يُعاد تداول أسماء الضحايا وصورهم وقصصهم دون مراعاة لحرمة الإنسان أو لمشاعر أسرهم. فمثل هذا السلوك لا يحقق العدالة، بل يضاعف معاناة الضحية ويمنح الجريمة أثرًا يمتد إلى المجتمع بأسره.
والأخطر من ذلك أن تُستغل مثل هذه القضايا لتصفية الحسابات السياسية أو الحزبية، فيُربط الأشخاص أو الجرائم بانتماءات لا علاقة لها بموضوع القضية، فتضيع الحقيقة بين الاستقطاب والتحريض، بينما يدفع الأبرياء الثمن.
إن الواجب الأخلاقي والديني يقتضي أن تُترك القضايا للجهات المختصة، وأن يُحاسب الجاني وفق القانون، دون انتهاك خصوصية الضحايا أو المساس بكرامتهم. فليس من الشهامة ولا من العدالة أن يكون التشهير بالضحايا وسيلة للانتقام أو تحقيق مكاسب إعلامية أو سياسية.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تتبع عورات الناس، فقال: «لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».
إن صيانة الأعراض ليست مجرد قيمة دينية، بل هي أساس لاستقرار المجتمع وحفظ تماسكه. وما أحوجنا اليوم إلى خطاب يتسم بالحكمة والرحمة، يحترم القانون، ويناصر المظلوم، ويطالب بمحاسبة الجاني، دون أن يجعل من الضحية ضحيةً مرةً أخرى.