لم يعد مقبولًا أن يبقى المشهد الجنوبي أسيرًا لدائرةٍ مفرغة من التكرار السياسي؛ تتبدل فيها العناوين وتبقى الأدوات ذاتها، وتُعاد فيها إنتاج الشعارات بروحٍ قديمة لم تُنتج إلا مزيدًا من الإرهاق والتشظي. شعبٌ أنهكته التجارب لم يعد يحتمل إعادة تدوير الأخطاء، ولا الدخول في مساراتٍ تُبدد الهدف وتؤجل الاستقرار.
إن القضية الجنوبية ليست ساحةً لتعدد المشاريع، بل قضية شعبٍ وهويةٍ ومستقبل. ولا يمكن لمثل هذه القضايا أن تُدار بعقليةٍ ضيقة أو مشاريع صغيرة تتكاثر كلما اقتربت لحظة الحسم، فتزيد المشهد تعقيدًا بدل أن تقوده إلى الاستقرار.
إن ما يجري من تفريخٍ للمكونات وإعادة تدويرٍ للخلافات لا يعكس تنوعًا سياسيًا صحيًا، بل يكشف عجزًا عن الوصول إلى مستوى المسؤولية. والمسؤولية في ميزان القيم قبل السياسة أمانة يُسأل عنها المرء. فالتعدد حين يتحول إلى تنازع، يفقد قيمته ويصبح عبئًا على الهدف لا سندًا له.
مهما تزيّنت المسميات وبَرَقت عناوينها، وتحت أي يافطةٍ رُفعت باسم الجنوب، فإنها لن تُخفي حقيقة التشظي، ولن تصنع هدفًا جامعًا، بل تُبدد ما تحقق وتُعمّق التفرّق.
لقد توحدنا تحت رايةٍ واحدة وهدفٍ واحد هو تمثيل الجنوب، فكيف يُقبل اليوم أن نعود إلى التشتت في جماعاتٍ ومكوناتٍ متفرقة تُعيدنا إلى نقطة البداية وتفرغ ما تحقق من مضمونه؟
إن النسيج الاجتماعي ليس مساحةً للتجاذب، ولا ساحةً لتصفية المشاريع، بل ركيزة لا يجوز المساس بها. وأي خطابٍ يُضعفه، مهما بدا براقة، ينعكس سلبًا على القضية ذاتها.
وفي ظل حرصٍ إقليمي، وفي مقدمة ذلك الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في رعاية مسارات التقارب ولمّ الشمل، تبرز مسؤولية داخلية مضاعفة؛ فالدعم الإقليمي يمكن أن يهيّئ الأرضية ويقرب وجهات النظر، لكنه لا يغني عن إرادةٍ داخلية صادقة تُدرك خطورة التشتت وتعمل على تجاوزه.
إن المرحلة لا تحتمل التردد ولا تعدد المسارات المتعارضة؛ فإما مسارٌ جامع يعيد ترتيب الهدف، أو استمرار في التشظي لا يورث إلا مزيدًا من الإضعاف وتأجيل الاستحقاق.
ما تحقق لم يكن صدفة… وما سيأتي لن يُبنى على التفرّق، بل على وضوح الهدف وثبات الاتجاه.
أنور العمري