( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
يتصاعد في الآونة الأخيرة الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية حول ما يُوصف بأنه “استهداف” أو “مؤامرة” ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، مع توجيه اتهامات إلى أطراف إقليمية ومحلية بالوقوف خلف تحركات سياسية وعسكرية يُعتقد أنها تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى في الجنوب. غير أن قراءة المشهد بعمق تكشف أن ما يجري قد يكون انعكاسًا لتعقيدات سياسية وتحالفات متغيرة أكثر من كونه مخططًا أحادي الاتجاه.
المشهد الجنوبي اليوم يتسم بتعدد القوى الفاعلة، سواء كانت تشكيلات عسكرية أو مكونات سياسية، إضافة إلى تداخل المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف اليمني.
وفي مثل هذا الواقع المعقد، غالبًا ما تتباين الرؤى حول طبيعة التحركات العسكرية أو السياسية، فبينما يراها البعض خطوات لإعادة ضبط التوازنات داخل معسكر الشرعية والتحالفات القائمة، ينظر إليها آخرون باعتبارها محاولات لتقليص نفوذ بعض الأطراف وتعزيز حضور أطراف أخرى.
كما أن طبيعة المرحلة التي تمر بها القضية الجنوبية، وما تشهده من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، تجعل أي تغيير في مواقع النفوذ أو انتشار القوات أو التفاهمات السياسية محل تفسيرات متعددة، خصوصًا في ظل غياب خطاب سياسي موحد بين مختلف القوى الجنوبية، الأمر الذي يفتح المجال أمام التأويلات والاتهامات المتبادلة.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن التحالفات الإقليمية غالبًا ما تتعامل مع الملف اليمني وفق اعتبارات استراتيجية أوسع تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها، وهو ما ينعكس أحيانًا على شكل تفاهمات أو ترتيبات ميدانية قد تُفهم داخليًا على أنها استهداف لطرف معين، بينما تُقدَّم في السياق الإقليمي كخطوات لإدارة التوازنات ومنع الانفلات الأمني أو الصدامات الواسعة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الأكبر أمام القوى الجنوبية عمومًا هو تعزيز التماسك الداخلي وتوحيد الرؤية السياسية، بما يضمن التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية من موقع أكثر قوة، ويحول دون تحويل الخلافات البينية إلى ثغرات تستفيد منها الصراعات الإقليمية أو الحسابات السياسية المتشابكة.
إن توصيف الأحداث الجارية باعتبارها “مؤامرة” أو “إعادة ترتيب للمشهد” يظل مرتبطًا بزاوية النظر السياسية، لكن المؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة واقعية للمتغيرات، وبناء موقف سياسي موحد قادر على حماية المكتسبات وتوجيه التحولات بما يخدم استقرار الجنوب ومستقبله السياسي.