الحقيقةنيوز/ كتب / فاطمة اليزيدي :
لم يكن خروج شعب الجنوب اليوم في مديرية التواهي مجرّد تظاهرة، بل كان فعل حماية، وإعلان وعي، وكسرًا صريحًا لمحاولة العبث بإرادة الناس ، حين أُغلق مقر الجمعية الوطنية، ظنّ البعض أن الأبواب الموصدة كافية لإطفاء الصوت، لكنهم تناسوا أن هذا الصوت لا يسكن الجدران، بل يسكن الشارع، ويكبر كلما ضاق عليه المكان.
في التواهي، خرج الجنوب هادئًا في شكله، عاصفًا في معناه ، خرج ليقول إن المؤسسات التي وُلدت من الناس لا تُغلق بقرار فوقي، وإن الجمعية الوطنية ليست مقرًا إداريًا عابرًا، بل رمزًا سياسيًا لإرادة شعب قرر أن يكون شريكًا لا تابعًا، وصاحب قرار لا شاهدًا صامتًا ، كانت السلمية اليوم أكثر قسوة من أي تصعيد، لأنها كشفت من دون ضجيج هشاشة القرار، وضيق أفق من ظنّ أن المنع يساوي السيطرة.
هذا الشعب لم يأتِ ليصطدم، بل ليُحرج، ولم يأتِ ليكسر، بل ليُثبت أن الوعي حين يتحرك يصبح قوة لا تُرد ، كل خطوة في شوارع التواهي كانت سؤالًا سياسيًا كبيرًا: بأي حق تُغلق مؤسسات تمثل الناس؟ وبأي منطق يُدار الجنوب بعيدًا عن صوته؟ وبأي عقل تُختبر صبر الجنوبيين وهم الذين جّربوا الإقصاء طويلًا وخرجوا منه أكثر تماسكًا؟
ما جرى اليوم أعاد ترتيب المشهد ، لم تعد القضية قضية مقر مغلق، بل قضية نهج كامل يحاول تطويع الجنوب بالقرارات، فإذا بالجنوب يردّ بالاصطفاف الشعبي ، حاولوا عزل المؤسسة، فوجدوا الشعب يحيط بها. حاولوا إطفاء الرمز، فإذا بالرمز يتحول إلى ساحة ، هنا بالضبط تكمن الخسارة الحقيقية لمن راهن على الإغلاق: أنه وحّد ما ظنّه قابلًا للتفكيك، وأيقظ وعيًا لا ينام.
شعب الجنوب لا يحمي مؤسساته بالشعارات، بل بالحضور، ولا يصون قضيته بالانفعال، بل بالثبات ، والتواهي اليوم لم تكن مكانًا، كانت رسالة مكتوبة بخط الشارع، مضمونها أن السلمية خيار أقوياء، وأن من يتجاهلها يدفع الثمن سياسيًا وأخلاقيًا، وأن الإرادة حين تتقدم لا تترك خلفها إلا قرارات متآكلة.
ختامًا ، ليُدرك الجميع أن إغلاق المقرات لا يغلق التاريخ، وأن مصادرة المفاتيح لا تصادر الشرعية، وأن شعب الجنوب إذا قرر الحماية… حمى. هذه ليست لحظة عابرة، بل علامة فارقة، ومن بعدها لن يمر قرار ضد الناس، لأن الناس صاروا هم القرار