تقرير/فاطمة اليزيدي
ثلاثة وستون عامًا مضت على الرابع عشر من أكتوبر 1963، لكن وهج الذكرى لم يخفت، ولم تستطع السنوات أن تطوي صفحة يومٍ ارتبط في الذاكرة الجنوبية ببداية واحدة من أبرز مراحل النضال ضد الاستعمار البريطاني. فمن جبال ردفان انطلقت شرارة الثورة، لتتسع رقعة المواجهة وتتحول إلى مسار تاريخي انتهى بتحقيق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967.
واليوم، تعود ذكرى أكتوبر المجيدة إلى واجهة المشهد الجنوبي في ظرف استثنائي، تتداخل فيه ذاكرة الماضي مع تحديات الحاضر، فيما تواصل القوات المسلحة الجنوبية حضورها في ميادين المواجهة، في مشهد يرى فيه ناشطون وسياسيون أن المناسبة تستعيد معها معاني الصمود والتضحية والثبات.
*أكتوبر.. ذاكرة لا تعرف الانطفاء
تكتسب هذه الذكرى أهمية بالغة لدى أبناء الجنوب، كونها ترتبط بمرحلة مفصلية أعادت رسم ملامح التاريخ السياسي والعسكري للمنطقة.
وأكد ناشطون أن الاحتفاء بالذكرى الثالثة والستين لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة لاستحضار تضحيات المناضلين، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ ثورة أكتوبر، وما قدمه أبناؤها من تضحيات في سبيل أهدافها.
ويرى ناشطون أن بقاء أكتوبر حاضرًا في الوجدان الجنوبي طوال هذه العقود يعكس مكانة الحدث في الذاكرة الشعبية، ويؤكد أن المحطات الكبرى في تاريخ الشعوب لا تنتهي بانتهاء زمنها، بل تظل حاضرة في وعي الأجيال.
*دلالات عميقة في توقيت استثنائي
وبحسب سياسيين، فإن الاحتفاء بالذكرى الـ63 يأتي هذا العام في توقيت يحمل دلالات عميقة، في ظل تطورات عسكرية وسياسية متسارعة تشهدها الساحة الجنوبية.
ويقول سياسيون إن استحضار أكتوبر في هذه المرحلة يفتح الباب أمام قراءة التاريخ بوصفه مصدرًا لفهم الحاضر، خصوصًا أن قيم الصمود والتضحية التي ارتبطت بالثورة لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي والشعبي الجنوبي.
وفي خطوة تحمل دلالات عميقة، تتزامن الذكرى مع استمرار المواجهات العسكرية ضد جماعة الحوثيين، ما يمنح المناسبة حضورًا إضافيًّا لدى الشارع الجنوبي، الذي يستعيد تاريخًا ارتبط في جوهره بمواجهة عسكرية وسياسية طويلة.
*القوات المسلحة الجنوبية.. حضور في قلب المشهد
وتبرز القوات المسلحة الجنوبية في المشهد الراهن باعتبارها طرفًا حاضرًا في عدد من جبهات المواجهة، وسط استمرار المعارك ضد جماعة الحوثيين.
وفي هذا السياق، شهدت جبهة كهبوب مواجهات عنيفة خلال سبتمبر 2026، أعلنت خلالها القوات المشاركة صد هجمات حوثية وتثبيت مواقعها، في معارك ارتبطت بأهمية الموقع الاستراتيجية بالقرب من باب المندب.
ويرى ناشطون أن ما شهدته الجبهات الجنوبية خلال الفترة الأخيرة يضيف بُعدًا جديدًا إلى ذكرى أكتوبر، إذ تأتي المناسبة في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات أمنية وعسكرية، ويستحضر فيها أبناؤه رموزًا تاريخية ارتبطت بالتضحية والدفاع عن الأرض.
*المفارقة.. الجبال التي صنعت التاريخ ما زالت في الواجهة
المفارقة أن ذكرى الثورة التي انطلقت من جبال ردفان تعود اليوم بينما لا تزال الجغرافيا الجنوبية حاضرة بقوة في الحسابات العسكرية والسياسية.
فبين ردفان عام 1963 والجنوب عام 2026 مسافة زمنية طويلة، تغيرت خلالها الظروف السياسية والعسكرية، وتبدلت أطراف الصراع، لكن الجغرافيا بقيت شاهدًا على تاريخ طويل من المواجهات والتحولات.
ولهذا يرى سياسيون أن قراءة أكتوبر لا ينبغي أن تتوقف عند استعادة أحداث الماضي، بل يجب أن تمتد إلى فهم دروسها، والتمييز بين سياق الثورة التاريخي وتعقيدات المشهد الراهن.
*أهمية الاحتفاء.. التاريخ مسؤولية الأجيال
ويؤكد ناشطون أن أهمية الاحتفاء بأكتوبر تكمن أيضًا في حماية الذاكرة الوطنية من النسيان، وتوثيق أسماء المناضلين والشهداء، وإبقاء تفاصيل المرحلة حاضرة أمام الأجيال الجديدة.
فالذكرى، وفق هذه الرؤية، ليست احتفالًا بالماضي فقط، وإنما مناسبة لاستحضار القيم التي ارتبطت به؛ من التضحية والصمود إلى التكاتف وتحمل المسؤولية.
ويرى سياسيون أن الشعوب التي تعرف تاريخها تكون أكثر قدرة على قراءة حاضرها، وأن استحضار المحطات التاريخية ينبغي أن يتحول إلى مساحة للتعلم، لا إلى مجرد شعارات موسمية.
*أكتوبر.. صفحة من الماضي وحضور في الحاضر
بعد 63 عامًا، لا يزال الرابع عشر من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة الجنوبية، لا باعتباره تاريخًا مسجلًا في الكتب فحسب، بل باعتباره حدثًا ترك أثرًا عميقًا في الوعي السياسي والاجتماعي للجنوب.
وتبقى ردفان رمزًا لانطلاق الشرارة الأولى، فيما يحمل الحاضر تحدياته وأسئلته المختلفة، لتظل ذكرى أكتوبر مساحة يستعيد من خلالها الجنوبيون تاريخهم، ويقرأون واقعهم، ويتطلعون إلى مستقبلهم.
*الخاتمة .. أكتوبر لا ينحني
ثلاثة وستون عامًا مرت، لكن أكتوبر لم يصبح حكاية قديمة.
من جبال ردفان انطلقت الشرارة، ومنها بدأت مسيرة طويلة صنعت واحدة من أهم صفحات التاريخ الجنوبي، واليوم تستعاد الذكرى في مشهد مختلف، يحمل تحدياته وتعقيداته، لكنه لا يخلو من حضور قيم الصمود والتضحية التي ارتبطت بأكتوبر.
أكتوبر لا ينحني أمام الزمن، ولا تسقط ذكراه من الذاكرة. ثلاثة وستون عامًا مضت، وما زالت شرارته حاضرة في وجدان الجنوب؛ ذكرى رجالٍ رحلوا وبقيت أسماؤهم، وثورةٍ مضت سنواتها وبقي أثرها، وتاريخٍ لا يزال يفتح صفحاته أمام الأجيال القادمة