( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها اليمن، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة القرارات والسياسات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية خلال المرحلة الأخيرة، ومدى انعكاسها على موازين القوى في الميدان، خصوصًا في ظل استمرار تمدد مليشيات الحوثي واقتراب تهديداتها من مناطق استراتيجية كالساحل الغربي وباب المندب.
ومن وجهة نظر منتقدي هذه السياسات، يمكن التوقف أمام ثلاثة قرارات رئيسية يرون أنها أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف القوى المناهضة للحوثي، مقابل منح خصومها مساحة أكبر للتحرك.
أول هذه القرارات هو التصعيد العسكري في الجنوب، ولا سيما في حضرموت خلال عام 2026، وهو ما اعتُبر من جانب قوى جنوبية استهدافًا لحلفاء كان يفترض أن يكونوا جزءًا من منظومة مواجهة الحوثي والإرهاب، بدلًا من فتح صراعات جانبية تستنزف القوى المحلية وتشتت جهودها.
أما القرار الثاني، فيتمثل في إبعاد الإمارات عن المشهد العسكري اليمني، رغم الدور الذي لعبته القوات المدعومة منها في تحرير مناطق واسعة من الجنوب والساحل الغربي، ومواجهة الحوثيين على امتداد جبهات عدة. ويرى منتقدو هذه الخطوة أن إضعاف هذا الدور لم يؤدِّ إلى ملء الفراغ بقوة عسكرية أكثر فاعلية، بقدر ما ساهم في إعادة ترتيب المشهد بطريقة استفاد منها الحوثي.
والقرار الثالث هو الرهان على القوى المحسوبة على جماعة الإخوان وحزب الإصلاح، رغم أن سنوات الحرب أظهرت محدودية قدرتها على تحقيق انتصارات عسكرية حاسمة ضد الحوثيين في عدد من الجبهات الشمالية. وفي المقابل، كانت القوات الجنوبية والقوى المدعومة إماراتيًا من أبرز التشكيلات التي خاضت مواجهات ميدانية مباشرة وحققت تقدمًا واسعًا في مراحل مختلفة من الحرب.
المشكلة هنا لا تتعلق بالخلاف السياسي بقدر ما تتعلق بمعيار الأولويات العسكرية. فحين تُستنزف القوى التي تواجه الحوثي في الميدان، بينما تُمنح قوى أخرى مساحة أكبر رغم ضعف أدائها العسكري، فإن النتيجة الطبيعية قد تكون خللًا في ميزان القوى، وهو ما يصب في النهاية لمصلحة الطرف الأكثر تنظيمًا واستعدادًا لاستغلال الفراغ.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحوثي لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصارات كبرى بقدر حاجته إلى استمرار الانقسام بين خصومه.
فكل جبهة داخلية جديدة بين القوى المناهضة له تعني عمليًا تخفيف الضغط عنه، وتمنحه فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وتوسيع نفوذه.
أما باب المندب، فالقضية تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي. فهذا الممر البحري يمثل نقطة استراتيجية للأمن الإقليمي والدولي وحركة التجارة العالمية، وأي تمدد حوثي باتجاهه لا يمثل تهديدًا لطرف يمني بعينه، بل يفتح الباب أمام مخاطر أوسع على أمن الملاحة ومصالح المنطقة.
ومن هنا، فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة: لا يمكن مواجهة الحوثي بإضعاف القوى الأكثر فاعلية في مواجهته، ولا يمكن حماية باب المندب من خلال استنزاف القوى الموجودة على خطوط الدفاع المتقدمة.
السعودية، باعتبارها دولة محورية في المنطقة، تملك القدرة على إعادة تصحيح الأولويات، وفتح مسار أكثر توازنًا يقوم على جمع القوى المناهضة للحوثي بدلًا من تفكيكها، وتوحيد الجهود العسكرية والسياسية نحو الخطر المشترك.
فالدرس الأهم من سنوات الحرب هو أن إضعاف الحلفاء لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الخصم؛ وفي بعض الحالات قد تكون النتيجة عكسية تمامًا: إضعاف الحلفاء وتمكين الأعداء.