بقلم / احمد عبدالعزيز الجاحظ:
رحمك الله يا اخاً لم تلده امي رحمةً تليق بقلبك النقي، وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.
في هذه اللحظات التي تتزاحم فيها الكلمات وتختنق العِبرات، أجد نفسي عاجزاً عن التعبير أمام فاجعة رحيلك يا رفيقي. رحلت عنا، لكن طيفك لا يزال يتردد في كل زاوية من زوايا أيامنا، وفي كل ركن من أركان مدينتنا التي شهدت على مسيرتنا.
مازلت اتذكر عند دخولنا الكلية واخترنا تخصص الاحياء لكي نكون معاً طالبَي علمٍ ننهل من ينابيع المعرفة بنهم العطاشى، ونخطُّ على دفاترنا أحلاماً أكبر من قاعات الدرس وضيق المدرجات. لم تكن كليتنا مجرد أسوار وأروقة، بل كانت المهد الذي احتضن وعينا، والمحراب الذي تعلّمنا فيه معنى أن يكون للإنسان قضيةٌ يحيا لأجلها. كنا نجالس الكتب نهاراً، ونجالس هم الوطن ليلاً. المصباح الواهنُ فوقَ رؤسنا شاهد على سهرنا، والشاي الاحمر الذي كنت تحبه شاهداً على صبرنا. كنا نحفظ المعادلات ونحن نردد أناشيد الوطن، ونراجع التواريخ ونحن نؤرخ لجراح شعبنا الجنوبيّ الجريح.
مازال صدى كلماتك الذي تقولها بعزيمةٍ لا تلين كلما ارتفع هتاف الحق من بعيد: “يا بن جدي العلم بلا وطن سراب، والشهادة بلا كرامة ورقٌ يرمى”. فنهب سوياً من مقاعد الدرس إلى ساحات الميدان، نحمل أقلامنا في جيوبنا، ونحمل قضية شعبنا في قلوبنا. عشناها معاً أياماً لا تنسى… أيام الحراك الجنوبي حين كان للهتاف صدق، وللخطوة ثبات، وللدمعة معنى. كنا في الصفوف الأولى لا نهاب قسوة الأيام ولا بطش الظالمين. أنت كنت صوتي إذا بحَّ من الصراخ، وثباتي إذا زلتْ بي القدم. نتقاسم رغيف الجوع كما نتقاسم حلم الحرية، ونقتسم برد ليالي الاعتصام كما نقتسم دفء الإخاء.
اتذكر حين كنت تكره الاعمال البلطجية وتقول أن الرجولة ليستْ بعضلاتٍ مفتولة، بل بقلبٍ لا يهاب الحق وأن النضال هو اخلاق . وعلّمتني أنَّ الكلمةَ إذا خرجتْ من فم حر كانتْ أشد على الظالم من الرصاص.
وكنا إذا اشتدّتْ ليالي الامتحاناتِ عتمةً، أضأناها بأحلام الغد. كنت تشير إلى السماء وتقول: “انظرْ إلى هذه النجوم، كل نجمة شهيد سبقنا إلى الحرية، وكل شهاب حلم لم يكتملْ بعد”. فكنا نعد النجوم ونعد الشهداء ، ونعد الأيام التي تفصلنا عن فجرٍ كنّا نراه قريباً رغم كلِّ العتمة. : اتذكر حين كنت تختارني مندوباً عن الشعبه لكل عمل جماعي
فتقولها ممازحاً “حتى لو دمنك ثقيل يابن جدي لكن انت خير من يمثلنا ، وفكرك هو الذي سيكتب غدنا”.
تخرجنا يا اخي.. لكنّ تخرّجَنا الحقيقي لم يكن يوم انهينا دراستنا وأخذنا الشهادات. تخرجنا الحقيقي كان يوم تخرجنا من مدرسة الخوف إلى جامعة الشجاعة، ومن قاعات الصمت إلى ميادين الصدح بالحق.
واليوم رحلت جسداً، وبقيت معنا روحاً لا يغيب. رحلت ، وتركت مكانك في الصف الأول من ساحات النضال شاغراً ومليونية رفض الوصاية تاريخ 20/6 الذي كنت خائفاً ان تفشل بسبب ضيق الوقت ابشرك لقد نجحت .
اخي سامي إن كل زاويةٍ في كليتنا صارتْ تنعى غيابك، وكل جدار شهد خططنا للمستقبل صار يبكي فقدك. صرت أُحدث مقعدك الفارغ كما كنت أُحدثك، وأقف عند البوابة التي كنّا نخرج منها الى الميادين فأشعر أنّ نصف روحي واقف هناك ينتظرك.
رحلتَ وتركتَ لي إرثاً لا يقدّر: إرث الوفاء، وإرث الصمود ، ووصيةً مثقلةً بالدم والحب. فعاهدتك اليوم أمام شعب الجنوب وأمام تراب الوطن الذي أحببناه: سأحمل العلم الذي طلبت نجهزه لك لتشارك به في مليونية رفض الوصاية وسأتم المسير عنك وعني. سأكون لك اللسان الذي لم يفترْ، والقلم الذي لم ينكسرْ، والصوت الذي لن يخفتْ حتى يتحقق الحلم الذي مت ونحن نحلم به.
اللهم ارحمه بقدر ما تعلم وعلّم، وبقدر ما هتف للحق وصبر على الأذى. اللهم اجعل كل حرفٍ قرأه، وكل خطوةٍ خطاها في سبيل قضية شعبه، نوراً له في قبره، ووزراً ثقيلاً في ميزان حسناته. اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجعل تراب الجنوب الذي دفن فيه برداً وسلاماً عليه. اللهم اجمعني به في جنات الخلد، حيث لا فراق يدمي القلوب، ولا موت يقطع أواصر الإخاء.
سلام عليك يا رفيق الكليةِ والميادين… حيّاً في قلبي، وخالداً في دعائي، وعزيزاً في ذاكرة الوطن الذي أحببت. إن الموت غيب جسدك، لكنه لن يغيب أثرك. فأنت باقٍ فينا… في الاحياء الذي عشنا فيها، وفي الساحاتِ التي ناضلنا فيها، وفي القلوب التي أحببتها وأحبتك.
نم قرير العين يا عزيز الروح… ولن ننسى