انتقائية سياسية مقصودة.. التستر على جرائم اغتصاب وابتزاز الأطفال في الشمال يقابله تصعيد إعلامي ضد الجنوب
تتصاعد خلال الساعات الماضية موجة غضب واستياء شعبي واسع إزاء جرائم الاغتصاب والتحرش والابتزاز التي تستهدف الأطفال في عدد من المحافظات الشمالية، في ظل صمت وتجاهل مريب لهذه الانتهاكات الخطيرة، مقابل حملة تضخيم ممنهجة لحادثة فردية وقعت في عدن العام الماضي، أُعيد إحياؤها وتدويرها سياسيًا وإعلاميًا. وتأتي هذه التطورات وسط اتهامات متزايدة بانتقائية وازدواجية فاضحة في التعاطي الإعلامي والسياسي مع هذه الجرائم، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الإخوان في تعز ومأرب، ومناطق سيطرة جماعة الحوثي، مقارنة بما يحدث في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، حيث تُستغل أي واقعة معزولة كأداة استهداف سياسي وتشويه ممنهج.
ففي محافظة مأرب، أعلنت الأجهزة الأمنية في 17 أبريل الماضي ضبط ثلاثة أشقاء ينتمون لإدارة الأمن العام، في حي الزراعة على خلفية اتهامهم بالتحرش واغتصاب طفل وابتزازه إلكترونيًا، في واقعة تكشف جانبًا من جرائم الابتزاز المالي المرتبطة بالاعتداءات الأخلاقية ، وبحسب بيان الشرطة، فإن المتهمين قاموا بتصوير الضحية وابتزازه بمبالغ مالية وصلت إلى خمسة آلاف ريال سعودي، ومجوهرات ذهب وثلاثة مخازن ذخيرة إضافة إلى مطالب عينية، في مؤشر خطير على تحول هذه الجرائم إلى أدوات للابتزاز المنظم.
وفي سياق متصل، فجّرت قضية “دار النورين” في محافظة مأرب موجة غضب أكبر، بعد الكشف عن تعرض قرابة 20 طفلًا لانتهاكات جسيمة، بعضها وصل إلى حد الاغتصاب، داخل الدار، ما دفع مدير أمن المحافظة إلى توجيه بفتح تحقيق عاجل، وسط مطالبات شعبية وحقوقية بمحاسبة المسؤولين وتوفير الحماية والرعاية للضحايا الأطفال.
أما في محافظة تعز، فقد كشفت مصادر محلية عن حادثة تحرش بطفلة من قبل أحد أفراد الأمن، قبل أن يتم الإفراج عنه بوساطة، في ظل عجز أسرة الضحية عن متابعة القضية قانونيًا، وترافقت هذه الحادثة مع تسجيل ثلاث قضايا اغتصاب بحق أطفال في وسط مدينة تعز اغلب المجرمين ينتمون لمحور تعز التابع لجماعة الإخوان، ما يعكس خللًا خطيرًا في منظومة العدالة، ويفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تتكرر الوقائع الأكثر فداحة، حيث تشير تقارير إلى جرائم اغتصاب واعتداءات ارتكبها عناصر مرتبطون بالأجهزة الأمنية الحوثية بحق الأطفال ، مع اتهامات شعبية ومجتمعية صريحة لمليشيات الحوثي بالتستر عليهم ، ومن بين تلك الحوادث، واقعة الاعتداء واغتصاب المشرف الحوثي الطفلة “جنات” والإفراج عنه ، إلى جانب جريمة اغتصاب طفل قُتل لاحقًا والتخلص من جثمانه بطريقة مروعة، فضلًا عن حادثة اغتصاب فتاة وقتلها ورميها في مجرى السيول بصنعاء.
كما طالت هذه الجرائم مدينة المخا، حيث تعرض طفل لاعتداء تسبب له بأضرار صحية ونفسية بالغة، استدعت نقله للعلاج خارج البلاد على نفقة أسرته، دون أي تحرك رسمي يُذكر لمحاسبة الجناة أو حتى فتح تحقيق جاد.
ورغم فداحة هذه الجرائم، التي تجمع بين الاغتصاب والتحرش والابتزاز المالي، يرى مراقبون أن التغطية الإعلامية لها تظل محدودة أو يتم احتواؤها، في المقابل تركيز مكثف من قبل مطابخ إعلام الإخوان والحوثي على أي حادثة فردية تقع في عدن أو محافظات الجنوب، حيث يتم تضخيمها وتسييسها بشكل واسع، وتوجيه حملات منظمة تستهدف الأجهزة الأمنية وقياداتها بخطاب مناطقي وسياسي.
ويؤكد ناشطون أن هذه الازدواجية في التعاطي لا تعكس فقط انتقائية إعلامية، بل تُسهم في تمييع القضايا الحقيقية التي تتعلق بجرائم اغتصاب وانتهاكات جسيمة بحق الأطفال، وتحويلها إلى أدوات للصراع السياسي، بدلًا من مواجهتها بجدية تضمن حماية الضحايا ومحاسبة الجناة.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى ضرورة التعامل مع قضايا الاغتصاب والتحرش والابتزاز كجرائم إنسانية خطيرة لا تقبل التسييس أو الانتقائية، والعمل على توحيد المعايير في التغطية الإعلامية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان عدم إفلات أي متورط من العقاب، أيًا كان موقعه أو انتماؤه