ربط واشنطن تعثر المسار مع إيران باضطراب حركة القرار داخل طهران، حيث يظهر التباين بين مراكز الحكم كعامل يدفع الهدنة نحو الانهيار، ويمنح الإدارة الأمريكية مساحة أوسع لاختبار التصعيد العسكري مجددًا بعد وصول المسار السياسي إلى مرحلة الإنعاش.
ويتزامن تراجع الهدنة مع تسريبات أمريكية عن تفكير ترامب بجدية أكبر في استئناف العمليات العسكرية، إذ ربطت هذه التسريبات بين استمرار إغلاق مضيق هرمز وبين قناعة واشنطن بأن الانقسام داخل السلطة الإيرانية يعرقل الوصول إلى قرار ملزم، ما يجعل أزمة التفاوض اختبارًا مباشرًا لوجود طرف إيراني قادر على ضبط السلوك البحري والنووي في وقت واحد.
الانقسام الإيراني يدخل حسابات البيت الأبيض
وبحسب مصدر دبلوماسي أمريكي مطلع، فإن واشنطن تتعامل مع الانقسام داخل القيادة الإيرانية كعنصر يغيّر وظيفة التفاوض نفسها، فالقنوات التي تنقل الرسائل لا تملك وحدها القدرة على ضبط القرار المتصل بمضيق هرمز واليورانيوم عالي التخصيب، والحرس الثوري ومكتب المرشد والمجلس الأعلى للأمن القومي باتوا جزءًا مباشرًا من أي التزام تحتاج الإدارة الأمريكية إلى اختباره قبل العودة إلى صيغة تهدئة جديدة.
ويقول المصدر لـ”إرم نيوز” إن اجتماع البيت الأبيض الأخير، مساء أمس الاثنين، أعاد ترتيب الحسابات حول إيران على أساس أن الوقت المتاح للوسطاء بات أضيق، وأن استمرار تضارب الإشارات داخل طهران يمنح خيار الضربات المحدودة حضورًا أكبر داخل فريق الأمن القومي، خصوصًا أن واشنطن تريد جوابًا عمليًا حول هرمز والمخزون النووي قبل التعامل مع أي رسالة إيرانية جديدة كمدخل سياسي قابل للبناء عليه.
ويضيف المصدر أن التقدير الأمريكي الحالي يراقب الساعات المقبلة عبر حركة السفن في محيط هرمز، والرسائل الصادرة عن الدائرة المحيطة بالمرشد، وموقف الحرس من أي تعهد يخص الملف النووي، فهذه المسارات ستحدد قدرة طهران على وقف الانزلاق نحو جولة ضغط عسكري جديدة.
من الوساطة إلى خيارات الضغط
وزاد وزن الانقسام الإيراني داخل الحساب الأمريكي بعد انتقال واشنطن خلال أيام قليلة من الحديث عن مذكرة مختصرة لإنهاء الحرب إلى اجتماع أمني في البيت الأبيض لبحث استئناف العمل العسكري، فقد كان البيت الأبيض قد رأى قبل أيام أن اتفاقًا من صفحة واحدة بات قريبًا عبر وساطة باكستانية، ثم تبدلت النبرة بعد الرد الإيراني الذي لم يقنع ترامب، ودفعه إلى القول إن الهدنة وصلت إلى مرحلة الإنعاش، واجتمع بعدها مع فريقه للأمن القومي لمناقشة المسار التالي، بما في ذلك العودة إلى الضربات، وفق ما نقلت “أكسيوس” عن 3 مسؤولين أمريكيين.
وهذا التحول السريع جعل تعدد مراكز القرار في طهران جزءًا من ملف التصعيد داخل واشنطن، لأن الإدارة الأمريكية ترى أن أي قناة إيرانية لا تستطيع حسم ملف هرمز واليورانيوم معًا لا تصلح كشريك تفاوضي قادر على إغلاق الحرب.
ما يعني أن واشنطن بدأت تنقل الانقسام الإيراني من خانة التقدير السياسي إلى خانة التخطيط العملياتي، وفق المصدر الدبلوماسي، كما أنها تتعامل مع غياب مركز قرار إيراني موثوق كسبب مباشر لتوسيع الضغط من البحر إلى الملف النووي.
إشارات إيرانية متضاربة
ويظهر اضطراب القرار داخل طهران، في تتابع إشارات متباعدة خلال أيام قليلة، فقد وضع محمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري، يوم الاثنين، قبول الشروط الإيرانية مدخلًا لأي مفاوضات جديدة، وجاء هذا الكلام بعد يوم من تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تحدث فيها عن استمرار التفاوض ضمن إطار القانون الدولي والتمسك بشروط الهدنة، وبعد تقارير سابقة عن غضبه من عمليات عسكرية أمر بها قادة في الحرس الثوري خلال مسار الهدنة، ثم لقاءه مجتبى خامنئي في محاولة لاحتواء صورة الخلاف داخل رأس السلطة، وهي وقائع تمنح واشنطن مسوغًا أوضح للتعامل مع طهران كطرف لا يملك قناة واحدة قادرة على إغلاق الحرب أو ضبط مسارات التصعيد.
وقد عرضت مجلة “تايم” مؤخرًا صورة لقيادة إيرانية أعادت الحرب تشكيل توازناتها الداخلية، مع توزع السلطة بين مؤسسات وشبكات أمنية وسياسية تدير المواجهة وتحد من قدرة الواجهة السياسية على احتكار القرار، وهو ما يفسر إدخال واشنطن بنية الحكم الإيراني في حساب التصعيد وفي تقدير جدوى أي قناة تفاوضية.
ومن خلال هذا الربط، تحصل واشنطن على رواية سياسية أكثر تماسكًا لفشل الوساطة، بحسب تقديرات المصدر الدبلوماسي لـ”إرم نيوز” فالمسار لم يتعثر فقط بسبب مضمون المقترح الإيراني، وإنما بسبب غياب جهة قادرة على تحويل أي صيغة إلى قرار نافذ داخل النظام.
حسابات التصعيد الأمريكي
في حين تواجه دوائر السلطة في طهران ضغطًا داخليًا موازيًا، فالمقترح الذي قدمته طهران يحتاج إلى تسويق داخل مؤسسات ترى في أي تنازل نووي أو بحري إقرارًا بضعف موقعها بعد تعثر الهدنة، وقد دفع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف باتجاه الدفاع عن المقترح المؤلف من أربعة عشر بندًا، وقدمه كخيار يفرض على واشنطن التعامل معه، في خطوة تكشف حجم الجهد المطلوب داخل النظام لتثبيت موقف واحد أمام الخارج.
ويدفع هذا الخطاب المسار نحو مزيد من التعقيد، لأن طهران تطرح شروطها كحقوق سيادية وأمنية، فيما تتعامل واشنطن مع بعض هذه الشروط كتنازل عن أدوات الضغط التي راكمتها خلال الحرب، وخصوصًا في ملف الحصار البحري، وحرية الملاحة، واليورانيوم عالي التخصيب، لذلك يتحول كل بند إلى اختبار نفوذ داخل إيران وسبب إضافي لتعثر المسار مع الولايات المتحدة.
حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن واشنطن تضع التهديد العسكري في قلب إدارة الأزمة، وتربط أي تراجع في التصعيد بسلوك إيران في هرمز وبملف اليورانيوم عالي التخصيب، ويمنحها الانقسام داخل مؤسسات الحكم الإيرانية مجالًا أوسع للقول إن طهران لا تقدم شريكًا تفاوضيًا قادرًا على إنهاء الحرب، وهذا ما يجعل الانتقال إلى ضربات محدودة أو عملية أوسع احتمالًا قائمًا كلما تراجع دور الوسطاء وتصلب دوائر القرار المتنازعة داخل النظام