عقد منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي، يوم الخميس الموافق 23 أبريل 2026م، ندوته الأسبوعية في العاصمة عدن، بحضور واسع من الشخصيات السياسية والوطنية والاجتماعية والأكاديمية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية والإعلامية والثقافية.
وفي مستهل الندوة، رحّب السفير قاسم عسكر جبران، رئيس المنتدى، بجميع الحاضرين، مشيرًا إلى أن ندوة هذا الأسبوع ستُعقد بصيغة نقاش مفتوح قائم على ثلاثة أسئلة رئيسية تمثل محاور الحوار، وهي:
1- هل يمكن لصانعي الأزمات والمشكلات والقضايا الكبرى، ومرتكبي الجرائم التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، أن يكونوا جزءًا من الحل لهذه الأزمات والقضايا؟
2- ما أبرز الخلافات والتباينات بين بعض الجنوبيين، خاصة أولئك الذين تحوّل بعضهم إلى أدوات بيد خصوم قضية شعب الجنوب، وهل لا تزال هناك قوى أساسية لم يتم الحوار معها؟
3- هل وصل مبدأ التصالح والتسامح إلى عمق الشرائح الوطنية والاجتماعية على امتداد الساحة الجنوبية بما يحقق الرأب الوطني؟
وأشار رئيس المنتدى إلى اطلاعه على كتاب للكاتبة الألمانية من أصول جنوبية من محافظة أبين، الأستاذة (آن ليندا – أميرة أوغستين)، بعنوان نضال الشعب في الجنوب من أجل الاستقلال (أجيال المقاومة)، موضحًا أن الكتاب كشف عن إشكالية في الخطاب السياسي والإعلامي لقيادات الجنوب التي قادت الحراك الثوري لتحرير الجنوب من الاحتلال اليمني واستعادة دولته المستقلة.
وبيّن أن تلك القيادات لم توضح بشكل كافٍ الفرق بين النظام السياسي والدولة ككيان وطني جغرافي، ما أدى إلى لبس لدى بعض أفراد الجيل الجديد، الذين اعتقدوا أن الحراك يهدف إلى إعادة النظام الاشتراكي السابق بذات قياداته التي حكمت الجنوب عقب الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م.
وأكد أن الخطاب السياسي والإعلامي للحراك كان ينبغي أن يوضح توجهه نحو بناء نظام جديد بقيادة جديدة، وهو ما أدى إلى حالة من التشوه والتشويش لدى الأجيال التي نشأت بعد إعلان الوحدة اليمنية بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 1990م.
وأوضح أن غالبية من تم إجراء مقابلات معهم عبّروا عن رغبتهم في استعادة منجزات الدولة الجنوبية السابقة في مجالات التعليم والرعاية الصحية والعمل في الوظيفة العامة والسكن والمواصلات وحقوق المرأة والطفل والشباب، إلى جانب تحقيق العدالة والمساواة وتوفير الخدمات العامة، لكنهم أكدوا في الوقت ذاته رفضهم عودة النظام الاشتراكي وقياداته السابقة، معتبرين أن تلك القيادات كانت سببًا في الصراعات التي شهدها الجنوب، بما في ذلك أحداث 13 يناير 1986م، وما ترتب عليها من تداعيات أدت إلى ضياع الدولة مع قيام الوحدة.
وأشار إلى أن تلك القيادات كانت تخاطب نفسها أكثر مما تخاطب المجتمع، لافتًا إلى أن جميع من شملتهم اللقاءات عبّروا عن رفضهم للوحدة المعلنة في 22 مايو 1990م، مؤكدين وجود اختلافات عميقة بين الشمال والجنوب تجعل من الصعب التعايش في إطار دولة واحدة. وبيّن أن غالبية المشاركين في تلك اللقاءات ينتمون إلى الفئة العمرية بين 17 و35 عامًا، إضافة إلى عدد محدود من القيادات السياسية والعسكرية المتقاعدة، وجميعهم متفقون على هدف استعادة دولة الجنوب المستقلة بنظام وقيادة جديدين.
وشهدت الندوة نقاشات واسعة وشفافة حول المحاور المطروحة، حيث استندت مداخلات المشاركين إلى معطيات علمية وتجارب دول وشعوب، فضلًا عن وقائع ملموسة، مستشهدين بعدد من الاتفاقيات مثل اتفاقية العهد والاتفاق، إلى جانب مواثيق دولية وأعراف اجتماعية كان لها تأثير بارز في مسارات الدول والشعوب.
وفيما يخص المحور الأول، أكد المشاركون أنه لا يمكن للأطراف التي صنعت الحروب وارتكبت الجرائم وخلقت الأزمات أن تكون جزءًا من الحل، نظرًا لعدم استعدادها للاعتراف بأخطائها، وخشيتها من المساءلة القانونية، مشددين على أن الجلاد لا يمكن أن يكون حكمًا. وأوضحوا أن هذه الأطراف غالبًا ما تسعى إلى تبرير أفعالها، في حين أن الحلول تتطلب تدخلات ووساطات محلية وإقليمية ودولية، كما هو الحال في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة والتحالف العربي، رغم ما يواجهها من عراقيل.
أما في المحور الثاني، فقد أظهرت النقاشات أن الخلافات بين الجنوبيين تعود في جوهرها إلى التنافس على السلطة لتحقيق مصالح ذاتية ومكانة شخصية، مع غلبة النزعة الفردية لدى بعض القيادات، مؤكدين أن تلك الخلافات لا تتعلق بقضايا استراتيجية بقدر ما هي خلافات تكتيكية. كما أرجع المشاركون هذه التباينات إلى ضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية، وتغليب الطموحات الشخصية غير المستندة إلى الكفاءة والخبرة، في ظل غياب معايير واضحة لشغل المناصب، فضلًا عن ضعف الوعي العميق بحجم المسؤولية تجاه الوطن والشعب.
وفيما يتعلق بالمحور الثالث، أكدت النقاشات أن شعب الجنوب يتميز بالأصالة والإبداع، وأن قيم التصالح والتسامح متجذرة في وعيه الجمعي، وهو ما تجلى في قدرته على صناعة تحولات تاريخية بارزة. وأوضح المشاركون أن هذا النهج يمثل جزءًا أصيلًا من وجدان المجتمع الجنوبي، في حين أن الإخفاق في تجسيده عمليًا يعود إلى النخب السياسية التي لم تنجح في تحقيق المصالحة فيما بينها، بل أسهمت في تعميق الانقسامات وإلحاق أضرار جسيمة بالمجتمع.
وفي سياق متصل، تطرقت المناقشات إلى مسار الحوار الوطني، حيث أشار المشاركون إلى أنه لم يلتفت بشكل كافٍ إلى وجود كتلة وطنية فاعلة ومؤثرة على امتداد الجنوب، مرجعين ذلك إلى غياب التواصل معها، رغم وقوفها إلى جانب الشارع الجنوبي ودعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي وكل القوى الساعية إلى استعادة الدولة الجنوبية المستقلة كاملة السيادة ضمن حدود ما قبل 22 مايو 1990م.
وقد أدار الندوة الدكتور عارف السنيدي