تقرير _مريم بارحمة
لحظة سياسية مشحونة تعيد رسم المشهد
تشهد العاصمة عدن ومحافظة لحج، مرحلة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات الميدانية مع صراع المشاريع السياسية، في ظل تصاعد التوترات بين الشارع الجنوبي والقوى المتحكمة بمفاصل القرار. فبدل أن تتجه الأنظار نحو التحقيق في الأحداث الدامية التي شهدها محيط قصر معاشيق، وما رافقها من إطلاق للرصاص الحي على متظاهرين سلميين وسقوط شهداء وجرحى، تفاجأ الرأي العام الجنوبي بموجة اعتقالات ومداهمات طالت ناشطين ومشاركين في الاحتجاجات الأخيرة.
هذه التطورات لم تُقرأ في سياق أمني محدود فحسب، بل تحولت إلى قضية سياسية كبرى أعادت فتح الأسئلة القديمة حول طبيعة السلطة القائمة، ومستقبل المشروع الجنوبي، وحدود العلاقة بين الحراك الشعبي الجنوبي والقرار السياسي. وبين روايات السلطة ومخاوف الشارع، تتشكل أزمة جديدة مرشحة لأن تكون نقطة تحول في مسار قضية الجنوب.
-من حادثة معاشيق إلى حملات الاعتقال.. انتقال الأزمة من الميدان إلى السياسة
بدأت شرارة التصعيد عقب الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها العاصمة عدن، حيث خرجت مسيرات سلمية للتعبير عن مطالب سياسية ومعيشية، قبل أن تتحول الأوضاع إلى مواجهة دامية إثر استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين أمام قصر معاشيق، وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا بين شهيد وجريح.
وكانت التوقعات الشعبية تتجه نحو تشكيل لجان تحقيق مستقلة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لاحتواء الغضب الشعبي. غير أن ما حدث لاحقاً جاء معاكسا لهذه التوقعات؛ إذ بدأت حملة مداهمات أمنية واعتقالات طالت ناشطين جنوبيين في عدن ولحج، الأمر الذي فُسِّر شعبياً على أنه محاولة لنقل الأزمة من مساءلة المسؤولين إلى معاقبة المحتجين أنفسهم.
هذا التحول عزز شعوراً واسعاً بأن الأزمة لم تعد مجرد حادث أمني، بل أصبحت جزءاً من صراع سياسي أعمق يتعلق بمستقبل الجنوب واتجاهاته.
-الاعتقالات كأداة سياسية
يرى مراقبون أن حملات الاعتقال لم تكن إجراءات معزولة، بل حملت رسائل سياسية متعددة. فالاستهداف طال شخصيات معروفة بنشاطها السياسي والإعلامي، ما أعطى الانطباع بأن الهدف يتجاوز ضبط الأمن ليصل إلى محاولة ضبط المجال السياسي نفسه.
وفي التجارب السياسية المشابهة، غالباً ما تُستخدم الاعتقالات في لحظات التوتر لإعادة رسم حدود الفعل السياسي المسموح به. لكن هذه السياسة، وفق محللين، تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى نتائج عكسية عبر تعزيز الشعور بالاستهداف الجماعي، وتحويل المعتقلين إلى رموز سياسية.
البيان الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي بشأن الاعتقالات وصف الخطوة بأنها محاولة لـ قمع الأصوات الجنوبية الحرة، وإجبار المجتمع على القبول بمشاريع سياسية مرفوضة شعبياً، وهو توصيف يعكس حجم الفجوة بين السلطة والشارع.
-أزمة الثقة بين الشارع الجنوبي وسلطات الأمر الواقع
أحد أخطر تداعيات هذه الأحداث يتمثل في اتساع فجوة الثقة. فالشارع الذي كان ينتظر تحقيقات شفافة وجد نفسه أمام إجراءات أمنية مشددة، ما أدى إلى تصاعد خطاب التشكيك في نوايا السلطات.
الثقة السياسية تُعد الركيزة الأساسية للاستقرار، وعندما تتآكل، تتحول أي خطوة أمنية إلى عامل توتر إضافي. وفي الجنوب، فإن الحساسية التاريخية المرتبطة بقضايا الهوية والسيادة تجعل أي إجراءات قمعية تُقرأ فوراً ضمن سياق سياسي أكبر، وليس كإجراء أمني عابر.
-المشروع الجنوبي في مواجهة الضغوط السياسية
يربط البيان بين الاعتقالات وما وصفه بمحاولات إعادة إنتاج مشروع احتلال الجنوب بمسميات جديدة، وهي لغة سياسية تعكس طبيعة الصراع القائم حول مستقبل الجنوب.
فالمشروع الجنوبي، منذ سنوات، يقوم على فكرة استعادة القرار السياسي والهوية الوطنية الجنوبية، بينما ترى قوى أخرى أن الحل يكمن في ترتيبات سياسية مختلفة ضمن إطار الدولة اليمنية. وبين هذين التصورين، يتحول كل حدث أمني إلى ساحة مواجهة رمزية بين مشروعين متنافسين.
الاعتقالات، وفق هذا المنظور، لا تُفهم فقط كإجراء أمني، بل كجزء من معركة إرادات سياسية.
-دور القيادة السياسية وخطاب المواجهة
يشير البيان إلى أن السياسات الحالية تأتي ضمن توجهات يقودها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وفريقه، معتبراً أن هذه السياسات تنطلق من تصور خاطئ بإمكانية فرض واقع سياسي جديد في الجنوب. هذا الاتهام يعكس تصاعد خطاب المواجهة السياسية، حيث لم يعد الخلاف يقتصر على السياسات، بل امتد إلى التشكيك في النوايا الاستراتيجية. ومع تصاعد هذا الخطاب، تصبح فرص التهدئة أكثر تعقيداً، لأن الأزمة تتحول من خلاف إداري إلى صراع وجودي.
-بين القمع والحوار
من أبرز النقاط التي أثارها البيان التشكيك في إمكانية انعقاد حوار جنوبي – جنوبي في ظل استمرار الاعتقالات وإطلاق النار على المتظاهرين. فالحوار السياسي يحتاج إلى بيئة ثقة وضمانات، بينما تشير الإجراءات الحالية – وفق منتقديها – إلى العكس.
ويرى محللون سياسيون بأن أي حوار سياسي لا يمكن أن ينجح في ظل شعور طرف رئيسي بأنه مستهدف أمنياً، لأن الحوار يفترض الاعتراف المتبادل والحد الأدنى من الشراكة السياسية.
-البعد الحقوقي والقانوني للأزمة
من الناحية القانونية، تثير الاعتقالات التعسفية أسئلة حول مدى الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحرية التعبير والتجمع السلمي.
القانون الدولي يضع شروطاً صارمة لأي تقييد لهذه الحقوق، أهمها الضرورة والتناسب والرقابة القضائية. وفي غياب الشفافية، تتحول الإجراءات الأمنية إلى مصدر ضغط دولي محتمل، خصوصاً مع دعوات البيان للمنظمات الحقوقية والأممية للتدخل.
-الإعلام والحرب السردية
لا تقل المعركة الإعلامية أهمية عن المواجهة السياسية. فالبيان يتهم جهات معادية بشن حملات تضليل إعلامي بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، وهو ما يعكس وجود “حرب سرديات” تسعى كل جهة من خلالها لفرض روايتها للأحداث.
في مثل هذه الحالات، يصبح الرأي العام ساحة صراع رئيسية، حيث تلعب وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل المواقف الشعبية.
-التداعيات الأمنية المحتملة
التاريخ السياسي في المنطقة يظهر أن القمع غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع إلى مزيد من الاحتقان بدلاً من الاحتواء. وإذا استمرت الاعتقالات، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الاحتجاجات أو توسع رقعتها الجغرافية.
كما أن استمرار التوتر في العاصمة عدن يحمل تداعيات تتجاوز الجنوب، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في المعادلة الإقليمية والدولية.
-البعد الإقليمي والدولي
دعوة البيان للمبعوثين الدوليين والمنظمات الحقوقية تعكس محاولة نقل قضية شعب الجنوب من الإطار المحلي إلى المستوى الدولي. وغالباً ما تلجأ الأطراف السياسية إلى هذا المسار عندما تشعر بانسداد قنوات الحل الداخلي.
التدويل، رغم أنه قد يوفر ضغطاً سياسياً، يحمل في الوقت ذاته مخاطر تعقيد الأزمة وربطها بحسابات إقليمية أوسع.
-مستقبل المشهد الجنوبي بعد الاعتقالات
المشهد الحالي يقف عند مفترق طرق. فإما أن تتجه الأطراف نحو تهدئة عبر إطلاق سراح المعتقلين وفتح تحقيقات شفافة، أو أن تستمر دائرة التصعيد بما قد يؤدي إلى مرحلة أكثر توتراً.
البيان عبّر عن قناعة بأن السياسات القمعية ستزيد الجنوبيين “قوة وصلابة”، وهو طرح يعكس اعتقاداً بأن الضغط يولد مزيداً من التماسك الشعبي، وهي فرضية أثبتتها تجارب سياسية عديدة في المنطقة.
-الجنوب أمام اختبار سياسي جديد
تكشف أحداث عدن ولحج أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحدث واحد، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لطبيعة العلاقة بين السلطة والشارع، ولمستقبل المسار السياسي في الجنوب. فالاعتقالات، مهما كانت مبرراتها، أعادت إشعال النقاش حول الحقوق السياسية، وحدود القوة الأمنية، وإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية.
وبين دعوات الإفراج عن المعتقلين ومطالب التحقيق في أحداث إطلاق النار، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الأزمة إلى بداية انفراج سياسي يعيد بناء الثقة، أم إلى محطة جديدة في مسار التصعيد؟
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن الجنوب يقف أمام لحظة فاصلة، قد تحدد شكل المرحلة القادمة، ليس فقط في العاصمة عدن ومحافظة لحج، بل في مجمل قضية الجنوب ومستقبلها السياسي. والجنوب أمام مرحلة تتطلب حكمة سياسية بقدر ما تحتاج إلى صمود شعبي