في لحظة تاريخية معقّدة، يقف الجنوب في قلب عاصفة إقليمية ومحلية متداخلة الأركان، حيث تتقاطع مشاريع الهيمنة مع حروب الوكالة، وتتشابك أدوات الصراع من السياسة إلى الإعلام، ومن الاقتصاد إلى الأمن.
الجنوب اليوم لا يواجه خصمًا واحدًا بوجه واحد، بل يواجه منظومة حروب مركّبة، تتناوب فيها جماعات أيديولوجية مسلّحة، وقوى انقلابية، وأجندات دولية متغيرة المصالح.
ومع ذلك، يثبت الجنوب حضورًا صلبًا وصمودًا أسطوريًا يُعيد تعريف معادلة القوة والإرادة.
هذا التقرير لا يكتفي برصد الوقائع، بل يذهب إلى تفكيك البنية العميقة للصراع، ويقرأ كيف تحوّل الجنوب من ساحة مستهدفة إلى فاعل يفرض نفسه على الطاولة السياسية، رغم كلفة الاستهداف وضراوة الحملات.
* حروب متعدّدة الأركان:
الحرب على الجنوب ليست تقليدية ، إنها حرب متعدّدة الأركان، تُدار بأدوات مختلفة في توقيتات متزامنة ، ومن هذه الأركان:
ركن عسكري مباشر عبر جماعات مسلّحة.
ركن أمني عبر الاختراقات والفوضى المنظمة.
ركن سياسي عبر التعطيل والتهميش.
ركن إعلامي عبر التشويه والتضليل.
ركن اقتصادي عبر الخنق والتجويع.
هذه الأركان لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتكامل لتشكّل ضغطًا مركّبًا ، هدفه إنهاك الجنوب وكسر إرادته، ودفعه للتراجع عن مشروعه السياسي العادل.
* الإخوان كأداة صراع ناعمة وخشنة:
يمثل تيار الإخوان أحد أركان الاستهداف المنهجي للجنوب، مستخدمًا خطابًا مزدوجًا يجمع بين السياسة والدين، وبين العمل المؤسسي والاختراق الأمني ،
في العلن، يتحدث عن الشراكة والوحدة، وفي الخفاء يعمل على تفكيك أي بنية جنوبية مستقلة ، حيث اعتمد هذا التيار على:تعطيل المؤسسات في المناطق المحررة، والاستثمار في الفوضى الأمنية، وإدارة حملات إعلامية ممنهجة ضد القيادات الجنوبية.
ورغم ذلك، فشل هذا الرهان أمام وعي شعبي جنوبي متراكم، مما جعله يدرك نخاسة هذا الخطاب ويكتشف تناقضاته.
* الحوثي كخطر وجودي دائم:
على الضفة الأخرى، يشكّل الحوثي تهديدًا وجوديًا لا يخفى، يقوم على مشروع انقلابي مسلّح، لا يعترف بالشراكة ولا بالتعدد.
الجنوب بالنسبة للحوثي ليس فقط جغرافيا، بل عائقًا أمام تمدد مشروعه الطائفي ، وفي هذا السياق يؤكد مراقبون بأن حروب الحوثي مع الجنوب لم تتوقف، وإن تغيّرت أشكالها ما بين :هجمات عسكرية مباشرة، وحرب مسيّرات ، واختراقات أمنية ، و تحريك خلايا نائمة.
ومع كل جولة، يثبت الجنوب قدرته على الصمود والدفاع، رغم محدودية الإمكانيات مقارنة بحجم التهديد.
* الدور السعودي بين الشراكة والتناقض:
لا يمكن قراءة المشهد الجنوبي دون التوقف عند الدور السعودي، بوصفه دورًا مركّبًا يحمل في طياته تناقضات، فمن جهة، هناك شراكة معلنة في مواجهة الحوثي، ومن جهة أخرى، سياسات تُقرأ جنوبيًا كضغط أو تقييد للمشروع الجنوبي.
هذا التناقض خلق حالة من الشد والجذب، حيث وجد الجنوب نفسه مطالبًا بالدفاع عن قضيته، دون الانزلاق إلى صدام مباشر، في معادلة دقيقة تتطلب حنكة سياسية عالية.
* الحرب الإعلامية وتشويه الوعي:
الإعلام كان ولا يزال أحد أخطر جبهات الاستهداف، يتم استخدامها عبر حملات منظمة سعت إلى:نزع الشرعية عن التمثيل الجنوبي ، بالاضافة الى تصوير الجنوب كعامل فوضى ، وشيطنة أي حراك شعبي جنوبي.
غير أن الجنوب نجح تدريجيًا في بناء خطاب إعلامي مضاد، يستند إلى الواقع، ويستثمر في الذاكرة الجمعية، ويخاطب الداخل والخارج بلغة سياسية واضحة.
* الاقتصاد كسلاح خفي:
السلاح الاقتصادي الذي أستخدمه أعداء الجنوب لم يكن عرضيًا بل سياسة ممنهجة تتعّمد بشكل أساسي على تعطيل الخدمات، انهيار العملة، وغياب المرتبات، كلها أدوات ضغط استخدمت لإرهاق المجتمع الجنوبي.
ورغم ذلك، أظهر المجتمع قدرة عالية على التكيّف، والتكافل، وتحويل المعاناة إلى دافع للمطالبة بحقوقه السياسية والاقتصادية.
* الشارع الجنوبي كفاعل سياسي :
لم يعد الشارع الجنوبي مجرد متلقٍ للأحداث، بل تحوّل إلى فاعل سياسي مركزي ، المليونيات، والاحتجاجات المنظمة، حملت رسائل واضحة: بأن الجنوب حاضر وموحّد في قضيته ، وهذا يحمل رسالة سياسية مفادها أن الجنوب يرفض الوصاية.
هذا الحضور الشعبي أربك حسابات الخصوم، وأعاد ترتيب المشهد.
* القيادة السياسية .. بين الضغط والمسؤولية:
تتحمّل القيادة الجنوبية عبئًا ثقيلًا ، فهي مطالبة بإدارة صراع متعدد الجبهات، مع الحفاظ على وحدة الصف، وتجنّب الانجرار إلى الفوضى.
وتشير المعطيات بأن النجاح النسبي في هذه المهمة يعكس نضجًا سياسيًا متراكمًا رغم الأخطاء والتحديات.
* الأمن.. خط الدفاع الأول:
الأمن في الجنوب ليس مجرد ملف إداري، بل خط الدفاع الأول عن المشروع السياسي ، الاستهداف الأمني المتكرر كشف حجم المؤامرة، لكنه في الوقت نفسه أبرز قدرة الأجهزة الجنوبية على التطور والتكيّف.
* البعد الإقليمي والدولي:
القضية الجنوبية لم تعد محلية. الاهتمام الإقليمي والدولي المتزايد يعكس إدراكًا بأن الجنوب رقم صعب في أي تسوية مستقبلية.
هذا الحضور لم يأتِ من فراغ، بل من صمود ميداني وسياسي طويل الأمد.
* الجنوب وإعادة تعريف الشرعية:
أعاد الجنوب طرح سؤال الشرعية: هل هي ورقة دولية أم إرادة شعب؟ هذا السؤال بات محوريًا ، ويحرج كثيرًا من الأطراف التي ترفع شعار الشرعية بينما تتجاهل إرادة الناس.
* قراءة في المستقبل :
المستقبل مفتوح على سيناريوهات متعددة، لكن الثابت أن الجنوب لن يعود إلى ما قبل هذا الوعي ، التحديات مستمرة، لكن القدرة على المواجهة باتت أعلى.
* رسائل إلى الخصوم:
رسالة الجنوب واضحة: لن يُكسر بالحصار، ولن يُلغى بالتشويه، ولن يتنازل عن قضيته تحت أي ضغط. من يراهن على إنهاكه، يسيء قراءة التاريخ.
* ختامًا .. الصمود كهوية سياسية:
في ختام هذا التقرير، يتضح أن الجنوب لا يواجه حربًا واحدة، بل حروبًا متداخلة، ومع ذلك يثبت أن الصمود ليس مجرد رد فعل، بل هوية سياسية كاملة. الجنوب اليوم لا يطلب الاعتراف من أحد بقدر ما يفرض نفسه بالثبات، ويكتب فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة، عنوانه: بأن الجنوب إرادة لا تُقهر