الجنوب ومعركة الاستقلال الثاني.. وعيٌ بالثمن وإصرارٌ على المسار

كتب / هاني مسهور :
هذا الشعب الذي طرد البرتغاليين، ثم كسر الاستعمار البريطاني، وأسقط نظام علي عبد الله صالح، لا يدخل اليوم مغامرة عابرة ولا يخوض نزاع نفوذ عابر، بل يواجه معركة استقلال وطني مكتملة الأركان، معركة يعرف أهل الجنوب منذ لحظتها الأولى أنها ليست سهلة، ولا قصيرة، ولا مجانية.
الجنوب لا يعيش وهم الانتصار السريع، ولا يبيع لجمهوره أوهامًا عن طريق مفروش بالورود، على العكس، هناك إدراك عميق بأن الاستقلال الثاني له ثمن، وأن هذا الثمن سيكون سياسيًا، واقتصاديًا، وأمنيًا، وربما إنسانيًا، لكن الشعوب التي تعرف تاريخها لا تفاوض على كرامتها، بل تدفع حين يكون الدفع شرطًا للحرية.
هذه ليست معركة ضد طرف بعينه فقط، بل ضد منظومة رجعية كاملة اعتادت إعادة إنتاج الوصاية، وتدوير الهيمنة، وفرض الخرائط من فوق، الجنوب خبر هذه المنظومة جيدًا، ويدرك أن الخضوع لها لا يجلب استقرارًا، بل يؤجل الانفجار، لذلك، فإن خيار المواجهة، مهما كان مكلفًا، يظل أقل كلفة .من القبول بالارتهان.
الجنوب يعرف أن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن العالم لا يحترم إلا من يفرض نفسه بوصفه رقمًا صعبًا، لا ملحقًا ولا تابعًا. ولهذا، فإن هذه المعركة تُدار بوعي، وبخطاب واضح، وبثوابت لا تتبدل: هوية غير قابلة للمساومة، وحق تقرير مصير لا يخضع للتفاوض.
ولأن الجنوب يعرف صعوبة الطريق، فهو لا يتهرب منها، يعرف أن الضغط سيزداد، وأن محاولات الكسر ستتكثف، وأن كلفة الصمود سترتفع، ومع ذلك، يمضي. لا لأنه لا يرى المخاطر، بل لأنه يرى ما هو أخطر من المخاطر: العودة إلى الخضوع.
هذا شعب رفض الرجعية حين كانت في ذروة قوتها، ورفضها حين لبست عباءة الوطنية، وسيرفضها اليوم مهما تغيّرت أقنعتها، معركة الاستقلال الثاني ليست نشوة لحظة، بل قرار تاريخي واعٍ. ومن يدفع ثمن الحرية بكرامة، يدفعه بما يليق بشعبٍ قرر ألا يعود إلى الخلف

جميع الحقوق محفوظة لموقع الحقيقة نيوز © 2024